أبي منصور الماتريدي
533
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والشقاوة في ذلك الوقت ؛ ولكن معناه أنه : إذا آثر الشقاوة في حالة الامتحان خلق كذلك ، وإذا آثر السعادة فكذلك أيضا . وقال نوح - عليه السلام - : وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [ نوح : 27 ] ، وهم في وقت ما ولدوا غير موصوفين بواحد من الوصفين ، بل يصيرون كذلك ؛ فيتبين أنهم خلقوا لذلك ؛ فموقع القسم على ما له يكابد ، ليس على المكابدة نفسها ؛ لأن المكابدة من الإنسان ظاهرة لا يحتاج إلى تأكيدها بالقسم . وقولنا : إن المقصود من ابتداء الفعل العاقبة قول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « إذا أردت أمرا فدبر عاقبته ، فإن كانت رشدا فأمضه ، وإن كانت غيا فانته » . وزعمت المعتزلة أن الله - تعالى - لم يخلق أحدا من البشر إلا ليعبده ، ولو كان الأمر على ما زعموا وظنوا ، لأدى ذلك إلى الجهل بالعواقب ، أو وجب أن يكون الفعل « 1 » خارجا مخرج الخطأ ؛ لأن كل من صنع أمرا يريد غير الذي يكون جاهلا بالعواقب ، أو عابثا بالفعل ؛ لأن من يبني « 2 » لشيء يعلم أنه لا يكون ، عد ذلك منه عبثا ، ولو كان غير الذي يريده ، وهو أن يبني ليسكن [ فيه ] « 3 » ، ثم ينقض قبل أن يسكن ، كان الذي حمله على البناء جهله بالعواقب . وجل الله - تعالى - من أن يلحقه خطأ في التدبير أو جهل بالعواقب ؛ فثبت بما ذكرنا أن الله - تعالى - شاء لكل فريق ما علم الذي يكون منهم ، وخلقهم لذلك الوجه دون أن يكون خلق الجملة للعبادة ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ . يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً . أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ : فالآية تحتمل وجهين : أحدهما : [ أن ] « 4 » يكون حسب أن الله - تعالى - لا يقدر على بعثه ؛ فيكون قوله : أَحَدٌ هو الله تعالى . يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً أي : جما : أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ، أي : أنفقت منه مقدار ما يخرج عن حد الإحصاء . وقوله « 5 » : لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ، أي : لم يعلم أحد مبلغ ما أنفق من ذلك .
--> ( 1 ) في أ : العقل . ( 2 ) في أ : أنشأه . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) سقط في ب . ( 5 ) في ب : قوله .